تحقيقات
الاربعاء 17/10/2007
براء الأحمد - ميساء الجردي
إذا كان وجود التعليم الخاص ضرورة لتخفيف الضغط عن المدارس الرسمية من خلال امتصاص الأعداد المتزايدة من الطلاب, وإذا كان الهدف من زيادة عدد المدارس الخاصة هو النهوض بالمستوى التعليمي ولتكون رديفا للتعليم العام,
فلماذا نلاحظ (للأسف) أن هدفها الأول هو النهوض بالمستوى المالي لأصحاب تلك المدارس وزيادة رؤوس أموالهم ولرفع رصيدهم بالبنوك, في ظل غياب الإشراف والمراقبة, ونجد بعض المدارس وربما (معظمها) تحتمي تحت مظلة المرسوم 55 ليكون غطاءً شرعياً لها بزيادة الأسعار التي فتحت لهم الباب على مصرعيه أمام الربح وتحولت عملية التعليم إلى تنافس بين المستثمرين والتجار وأصبحت موضوع ربح أو خسارة, لا يعني لهم بناء الإنسان الشيء الكثير في زمن تحول فيه الطالب إلى سلعة استهلاكية.
- ما الذي تقدمه تلك المدارس مقابل (100-150) ألف ليرة..?
- والأهم من هذا ما الذي ستفرزه لنا مستقبلاً?? وهل سننتظر قرابة خمسة عشر عاماً لنتعرف إلى هذا الجيل!!
- وهل يا ترى تفوقهم باللغة الإنكليزية هي حجتهم الوحيدة لارتفاع الأسعار?
***
في تحقيقنا سنجد العديد من الإجابات لكثير من التساؤلات وسنرى ما هو نبض الشارع تجاه التعليم الخاص…
مثلا المدارس داخل مدينة دمشق وبخاصة القديمة على الأغلب هي خارج الشروط المطلوبة من حيث المساحات والباحات الجيدة والصفوف الكبيرة وعدد الطلاب داخل هذه الصفوف والأنشطة, فهي أمور غير متوفرة إضافة إلى حشر أعداد كبيرة من الطلاب ضمن صفوف صغيرة وهذا خلافاً لما يقال عن شهرتها.
أما المدارس الموجودة خارج المدينة فقد فرض عليها المكان الواسع الاهتمام بالبناء وشكله من الخارج والداخل, وخصص قاعات للأنشطة وباحات واسعة وهي أيضاً تهتم بالنظافة وبنوع القرطاسية المقدمة لطلابها والملابس الغالية الثمن, لكن كل شيء بحسابه (والبيدر مفتوح) لأن المبالغ في كل عام تدخل مجال التنافس الربحي بين هذه المدارس على حساب الطلاب والمعلمين معاً.
وعلى سبيل المثال انسحب من مدارس داريا الخاصة حوالي 1500 طالب خلال العام الماضي والحالي بسبب ارتفاع الأسعار المفاجئ والكبير,مع أن المدارس هي ذاتها ولم يتغير فيها شيء, وفي مدرسة القرية الصغيرة كان بإمكان الشريحة الوسطى من الناس تسجيل أولادهم قبل أن يفتح بها مجال رفع أسعارها إلى 85 ألفاً وحتى 100 ألف على الطالب الواحد ما أدى إلى انسحاب الشريحة الوسطى.
وأكدت السيدة تماضر ديوب أنها نقلت أولادها من مدرسة سنابل النور بسبب ارتفاع التسعيرة وأنها وجدت العامة لا تختلف عن الخاصة إلا من حيث التركيز على اللغة الإنكليزية, كما أكدت السيدة هالة كوجان أنها نقلت ابنها من مدرسة دمشق العربية الخاصة إلى المدارس العامة لأن مستواها عادي جداً, وأعداد الطلاب داخل الصف كبيرة, فلا داعي للمصاريف الكبيرة على حساب حاجات أخرى.
وقالت: إن لديها ثلاث بنات في مدرسة المعهد العربي الخاصة وقد تركتهن يتابعن دراستهن فيها لأنها لم تغير من أقساطها رغم أنها قليلة قياساً بالمدارس الأخرى وهي 20 ألفاً لكل طالب, وهو سعر معقول, إلا أن هناك مشكلة يجب الانتباه إليها في هذه المدارس وهي مسألة انعدام الأنشطة (لا موسيقا, ولا رسم, ولا رياضة) فالوقت مضغوط جداً ومخصص للتعلم فقط.
ويسأل السيد فؤاد موسى: أي جيل يريدون صناعته? هذه المدارس تفرض على طلابها ملابس معينة ومصروفاً استهلاكياً كبيراً, وطبيعة خاصة من السلوك والتعامل القائم على التباهي والواسطة, وهم على الأغلب لا ينوهون إلى مخالفات الغش والنقل أو مسألة الكسل طالما هناك من يدفع لهم, أليس هذا الجيل هو نفسه من سيكون عماد المجتمع بعد عشرة أو عشرين عاماً, فكيف سيتعلم تحمل المسؤولية, وكيف سيقدم علمه للناس ضمن السلوكيات التي تعلمها.
ويقول أيضا: إن هذا ينطبق على الجامعة, من أين للأسرة الفقيرة أن تدفع 350 ألفاً في كل سنة لابنها الذي لم تستوعبه الجامعة الحكومية, إضافة إلى أن هذه الجامعات النجاح فيها وعلى الأغلب بالواسطة وبشكل تلقائي, فهل الطبيب الذي سيتخرج من هذه الجامعة, سيقدم للطب إضافات وماذا سيقدم للناس من علاج.
رواتب وهمية والتأمينات غائبة
وتحدثت لنا إحدى المعلمات عن خبرتها في التعليم الخاص بعد أن أمضت سنوات عديدة تنقلت خلالها إلى أكثر من مدرسة .
أن الطلاب مظلومون في العديد من الجوانب منها: أنهم يأخذون الإنكليزية بكثافة على حساب اللغة العربية, ولديهم الكثير من الدروس الإثرائية على حساب الأنشطة التي هي ضرورية للطالب في هذه المراحل العمرية, عدا الرحل والاحتفالات بعيد المعلم وعيد الأم لأن هذه الأنشطة تكون على حساب الطلاب وتشكل فرصة جديدة لربح إضافي ولدعم المظاهر الاجتماعية بينهم وبين الأهل.
ثم أكد هذا الكلام أحد المعلمين قائلاً:إنه قليلاً ما نجد وسائل إيضاح في المدرسة, فإن ذلك يكون على حساب الطلاب وبالتعاون معنا خاصة أننا نكون قد وعدنا الطلاب بهذه الأنشطة.
إذا خليت خربت
مديرة مدرسة الأعراف الدكتورة غادة خير بك قالت: إن الطالب من بعض المدارس الخاصة قد تحول إلى مجرد زبون, ومعظم الأهالي يشعرون بالارتياح عند رؤية ولدهم يتكلم اللغات الأجنبية بطلاقة, ولكن لا يكتشفون المشكلة إلا بعد مرور السنوات وعند تقديم امتحان الشهادات ويظهر وقتها مستواه الحقيقي, فعندما تعتمد المدرسة على برامج مكثفة إضافة لمنهاج وزارة التربية وإلى منهاج لغات (إنكليزي - وفرنسي, كامل وتقدم بحوثا وتجارب مميزة وكمبيوتراً ورياضة وسباحة ونشاطات وغيره..) وكل هذا خلال خمسة أيام وخلال 31 حصة, فمن المؤكد أنها ستحتاج إلى ضعف ساعات الدوام وسيكون التعليم لبعض المواد على حساب مواد أخرى ومنها منهاج الوزارة, وبالتأكيد ستظهر العلامات جلية في امتحانات الشهادات.
شريحة مميزة
قالت لي إحدى السيدات وهي من مستوى اجتماعي مرموق بأنها شعرت عندما ذهبت لتسجيل ولدها في مدرسة (السورية الحديثة) بأنها تقبل الأشخاص المميزين والشريحة المميزة بالمجتمع, أولاد الأطباء والمتفوقين و..و.. ولكن بعد مرور الوقت وجدت العكس وتبين أن كل من يدفع يسجل بالمدرسة (أي كل من هبّ ودبّ) المهم دفع الأقساط علماً أن أقساط المدرسة ارتفعت هذه السنة ووصلت إلى 125 ألف ليرة مع بدل ثياب وكتب, هذا غير أسعار المطعم والطعام, ولكنها هي تفضل هذا النوع من المدارس لأنها تهتم بالنظافة وتشعر بالأمان تجاه أولادها.
نقص بالاختصاص والرواتب
ومن داخل مدرسة سنا الشام الخاصة الأمور كلها ضمن خطة الوزارة وتعليماتها, كان هذا سقف الحديث مع الأستاذ محمود الزعتري مدير مدرسة سنا الشام الخاصة, وهذا صحيح في بعض الأمور كون المدرسة جديدة العهد ولم تأخذ استيعابها بالشكل الكامل من الطلاب, إذ حتى الآن العدد هو 150 طالباً وهذا يعني أن عدد الطلاب في الصف لم يصل إلى 35 طالباً كما حددته الوزارة, لكن الأستاذ الزعتري أكد أن المدارس الخاصة سابقاً كانت تستوعب في صفوفها من 40 إلى 60 طالباً وأنه لو تحدد عدد الصفوف كلها ب 35 طالباً, هذا يعني أننا نقول لعدد كبير من الطلاب (طلعوا خارجاً) لهذا يمكن تطبيق مسألة عدد الطلاب فقط مع بداية المرحلة الأولى منذ الصف الأول.
كما أكد أن انتقاء المدرسين هو عن طريق إدارة المدرسة, لكنه أيضا ضمن شروط وتعليمات الوزارة التي تقول يجب أن يكون المعلم حاملاً تأهيلاً تربوياً (دبلوم) لكنه علق قائلا: إذا أردنا أن نغني مدارسنا الخاصة كلها بدبلوم تأهيل تربوي, أرى أن هذا الكلام شبه مستحيل, والسبب أن حامل الدبلوم يهمه الحصول على وظيفة بالدولة أكثر من أن يعمل عقداً بمدرسة خاصة, كما أن المدارس الرسمية لم يكتمل العدد بها من حملة الدبلوم وهذا يعني أننا في المدارس الخاصة لدينا نقص كبير بالاختصاص, والوزارة تعاونت معنا بهذا الموضوع بشكل كبير وسمحت لنا بمعلمين لديهم شهادات بكالوريا على أن يحضر المعلم وثيقة خبرة, وهذا موجود حتى في المدارس الرسمية فهناك العديد من طلاب الجامعة المكلفين بالتدريس.
أما الأقساط التي تؤخذ من الطلاب المسجلين لديهم فهي محددة على الشكل التالي: رياض الأطفال 35 ألف ليرة بدون الباص واللباس والقرطاسية, التعليم الأساسي 45 ألفاً على الطالب بدون اللباس والباص والقرطاسية, والتعليم الأساسي الحلقة الثانية 55 ألفاً أيضا بدون الباص واللباس والقرطاسية, إلا أن المدرسة تقدم حسماً معيناً إذا كان لديها أكثر من طالب من نفس الأسرة.
أقساط إضافية
هنا كان لا بد أن أشير له بأن إحدى الأمهات أكدت لي حين التقيتها بأنها تدفع 56.500 ألف ل.س على طفلها في مرحلة الرياض, فما سبب اختلاف المبلغ?
فأجاب إن الفرق يعود إلى رسم المواصلات وسعر الملابس والكتب لأن هذه الأمور كما قلت لك هي خارج القسط الأساسي.
وعليه ما هي الخدمات التي تقدمها المدرسة مقابل هذه المبالغ? وهي يمكن اعتبارها مميزة? فيتابع قائلا: الأنشطة مختلفة, لدينا دروس إثرائية في مادة اللغة الإنكليزية وبعض المواد الأخرى, وضمن مشاريعنا العديد من الرحلات والأنشطة الرياضية المتميزة ومنها موضوع السباحة, إذ سيكون هناك تعاقد مع سباحين لتدريب الطلاب على هذه الرياضة.
































